القاضي عبد الجبار الهمذاني

306

المغني في أبواب التوحيد والعدل

إلى شرط ، وعلى طريقة التفصيل يحتاج إلى شرط ، وهو تقدم العلم بأن هذا المعين بصفة الظلم . فقد حصل من مذهبه أن المفصل يعلم قبحه باضطرار كالمجمل من الظلم ؛ وإن كان يخالفه في حاجته إلى الشرط الّذي ذكرناه . وسائر شيوخنا يقولون إن عند تأمله يعلم أن هذا المعين بصفة الظلم ويعلم بعلم ثالث أنه قبيح ؛ لأن العلم بقبح الظلم يتناول معلومه على جهة الجملة وهذا العلم يتناوله على طريق التفصيل . وقد بينت بالدليل مخالفة أحدهما للآخر كمخالفة العلم لمعلوم المعلوم بمعلوم سواه . فلا يصح أن يصير نفس ذلك العلم متعلقا بالمعين لما في ذلك من إيجاب / قلب جنسه . فعلى هذا القول - وهو الصحيح - لا يعلم شيء من الظلم بعينه أنه قبيح باضطرار . فإن قال : فهل لأحدنا من سبيل إلى أن يعلم فيما يفعله زيد بعمرو من « 1 » الضرر أنه بصفة الظلم ؟ قيل له : نعم . وذلك لأنه قد يعلم أن عمرا غير مستحق للآلام ، وأن زيدا لا يصح أن يستحق أن يعاقبه ، ويعلم أنه سلم عن ضرر عظيم وحوف ؛ فلا يجوز أن يكون مدفوعا به ضرر عظيم « 2 » ، ويعلم أنه لم يقصد ما أقدم عليه إيصاله إلى نفع ، ويعلم أيضا أن لا أمارة للنفع ، ويعلم تعمده لذلك من غير ظن النفع ولبعض الوجوه ؛ لأن المقاصد قد يعلمها من غيره باضطرار ، وكذلك الدواعي . فإذا علم هذه الجملة ، علمه ظلما . ويعلم أنه قبيح لتقدّم علمه بأن الظلم قبيح ويحسن منه أن يذمه عند ذلك . وهذه الأمور قد تقدّمت المعرفة بها أو بأكثرها ، فلا تحتاج المسألة إلى تأمل ونظر . ولذلك نذكر ما هذا حاله في أوائل ما يستحق الذم ؛ لأن العلم به جلى على الوجه الّذي ذكرناه .

--> ( 1 ) في الأصل ومن . ( 2 ) في الأصل ضررا عظيما .